أخبار عاجلة
سيارة طائشة تدهس 10 أشخاص بطنطا -

قيم الشباب وشباب القيم

قيم الشباب وشباب القيم
قيم الشباب وشباب القيم

قيم الشباب وشباب القيم

وقف المهندس الشاب أمام اللجنة يترافع بثقة عن الدور الذي يمكن أن يلعبه الشباب في تطوير العمل، مستشهداً بنجاح التجربة الكندية في استحداث وتفعيل المجالس الشبابية، ولما كنت من أعضاء لجنة التحكيم، وجاء دوري لسؤاله، قلت له:

يحكم كندا شاب أربعيني، حقق فوزاً كبيراً في الانتخابات التي أوصلته إلى مقعد الرئاسة، وهو يعد الآن من أنجح السياسيين الذين مروا على كندا والعالم، فهل تعتقد أنك أنت مؤهل لقيادة الشركة الآن فيما لو أتيحت لك الفرصة؟

أجاب من دون تردد: «نعم بكل تأكيد». هذا المهندس الشاب تقدم لمسابقة لشغل مقعد من أربعين مقعداً في مجلس الشباب التنفيذي في الشركة السعودية للكهرباء، جاؤوا من جميع مناطق المملكة، وتعددت تخصصاتهم ودرجات تأهيلهم، من الفنيين خريجي المعاهد التقنية إلى حملة الشهادات الجامعية والعليا، في مختلف التخصصات، تجمع بينهم الفئة العمرية التي لا تتجاوز الثانية والثلاثين. والمجلس كما أكدت لنا الشركة لن يكون صورياً، ولكنه سيكون مرتبطاً بالرئيس التنفيذي للشركة، ولأعضاء المجلس كرسي في الإدارة التنفيذية العليا، بحيث يحضر عضو منهم بالمداورة الاجتماعات التنفيذية الأسبوعية، وسيكون من مهمات المجلس تقديم الاستشارة والدعم للإدارة التنفيذية، وتقديم بنود أعمال وتحركات ومشاريع، كما سيكون حاضنة لمبادرات الموظفين في جميع قطاعات الشركة على امتداد مساحة المملكة.

هذا الزخم «التمكيني» في مبادرة الشركة السعودية للكهرباء أغراني بالاقتراب منها، وخرجت من تلك الجلسة الصباحية مليئاً بجرعة عالية من الأمل الواثق بعينات مبهجة من الشباب الواثق بقدراته، المتمكن من أدواته، القادر على التعبير عن نفسه، الممتلئ بحس عال من المسؤولية وثقافة العمل، هذه الجرعة أسقطت كل شوائب الإحباط التي تأتي من هنا وهناك عن أرقام مبالغ فيها عن البطالة وعدم قدرة الشاب على الإبداع.

بالطبع هي ليست المبادرة الأولى من نوعها، فما زلت أذكر أن البدايات الأولى للشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) قامت على تمكين مجموعة من المهندسين حديثي التخرج بتسليمهم مشاريع الشراكات الأولى، حين كانت على الورق، وكانت الشركة في مبنى مستأجر على طريق المطار القديم، هذا الجيل هو الذي صنع نجاحات الشركة حتى تحولت إلى أحد أهم عمالقة صناعة البتروكيماويات في العالم، ومنهم رئيس الشركة التنفيذي السابق المهندس محمد الماضي.

لكن الفرق في مجيء هذه المبادرة الآن أنها تأتي في عصر افتتحه الملك سلمان بن عبدالعزيز بتمكين الشباب، حين نقل ولاية العهد إلى جيل الشباب، وحين فاجأ ولي العهد الشاب الأمير محمد بن سلمان العالم بإطلاق رؤية المملكة 2030، وحين مضى يطلق المبادرات النوعية الواحدة تلو الأخرى ذات الأثر الشمولي في مستقبل البلاد، مرتكزاً على إعطاء الأمل للأجيال الجديدة بأنها هي من سيقود العمل ويصنع المستقبل ويبني الاقتصاد المعرفي الجديد. ويعرف كثيرون أن فريق العمل، الذي يعتمد عليه ولي العهد، هو من الشباب المؤهل (ذكوراً وإناثاً)، الذين تجدهم في مكاتب تحقيق الرؤية في كل الوزارات وتجدهم في مشاريع قياس الأداء وتعزيز الهوية السعودية ومشاريع التحول الوطني المعنية بتطوير الأداء الحكومي والمشاريع الاقتصادية الكبرى- كما أنه ليس خافياً- أن دماء شابة كثيرة تم ضخها في شرايين الحكم المحلي في إمارات المناطق، وبدا أثرها واضحاً لدى أبناء هذه المناطق.

نحن مجتمع شاب بكل المقاييس الديموغرافية، إذ إن معدل الأعمار أقل من 28 سنة بقليل، ويشكل الشباب أكثر من 70 في المئة من عدد السكان. لذا، يكون من الطبيعي أن يأخذ الشباب فرصتهم بالقيادة، وأن نحفزهم بالأمل بأنهم هم أدوات التغيير الإيجابي، وأن نمكنهم، بالتعليم والتأهيل والثقة، ونعطيهم الفرصة للتعلم من أخطائهم، كما قال الرئيس التنفيذي لشركة «علم» الدكتور عبدالرحمن الجضعي: «إن من القيم الراسخة في الشركة هو تحريض موظفي الشركة على ارتكاب أخطاء جديدة لا تكون مكررة، على اعتبار أن الخطأ الجديد هو فرصة لتعلم شيء جديد».

حديث الدكتور الجضعي جاء في ملتقى القيم الأول، الذي عقد بالرياض مساء أول من أمس (الأحد)، وشارك فيه كل من وزير الصحة الدكتور توفيق الربيعة، ووزير الثقافة والإعلام الأسبق الدكتور عبدالعزيز الخضيري، والرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات السعودية الدكتور خالد البياري، وهذا الأخير قال: «إن من القيم التي تم ترسيخها في الشركة هو التواصل المستمر بين القيادات وشباب الموظفين، عبر تنظيم لقاءات منتظمة غير رسمية معهم».

هذا الملتقى بحد ذاته وثيق الصلة بحديثنا عن تمكين الشباب، ذلك أن الملتقى تنظمه جمعية الغد للشباب، التي أسستها وما زالت تترأسها وترعى أنشطتها بشغف الأميرة نوف بنت فيصل بن تركي، وللجمعية مبادرات كثيرة نحو تمكين الشباب، لكن إنشاء مركز القيم وإطلاق منصة القيم الإلكترونية هو من أهمها، ويأتي في وقت مناسب تماماً لمرحلة التحولات الكبرى، للمحافظة على اتجاه البوصلة، كما أن مسألة كتابة وتقعيد منظومة القيم الحاكمة للأفراد والمجتمع، وعمل المنظمات في كل القطاعات، مهمة لقطع الجدل فيها بين دعاة التحديث والمتمسكين بالتقليد، وهي مهمة كي لا تكون مجالاً للاجتهاد والظن، والمفرح أن هذا الملتقى الأول من نوعه في المملكة جاء بمبادرة وتنظيم من جمعية شبابية، وأن من وضع الأسس النظرية والمسارات للحوار هو من شبان وشابات الجمعية.

بقي القول إن شحنة التفاؤل التي نعيشها يجب ألا تنسينا أن هناك قطاعاً مهماً من الشباب خرجوا من مسارات التعليم الأساسية والجامعية، وهم غير مؤهلين بالكامل لدخول سوق العمل، وهذه النسبة- وهي ليست بالقليلة- هم الذين يحسبون في خانة البطالة، إما انتظاراً لوظيفة حكومية بليدة توهمهم بالأمان الوظيفي ولا تحقق لهم ولا منهم قيمة مضافة للاقتصاد، وإما أن يكونوا على هامش العمل في القطاع الخاص، يرفضهم مرة ويطردهم مرة أخرى، ولأجل هؤلاء نحن في حاجة إلى إطلاق مبادرة وطنية كبرى للقيام بعملية «إعادة تدوير» مخرجات التعليم بدورات مكثفة تشمل قيم وأخلاقيات العمل والمبادرة والمهارات المطلوبة الآن ومستقبلاً، وربما ريادة الأعمال، حتى لا نخسر نسبة مهمة من قوتنا البشرية التي يطلب منها النهوض ببرامج الرؤية مستقبلاً.

* نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى حجاج قطر.. كارت الدوحة المحروق وقصة كل عام