#المصري اليوم -#اخبار العالم - «كوبيش» و«جابشيك» تشيكوسلوفاكيان اغتالا الجلاد الأشقر فدفع الآلاف الثمن.. «للحرب العالمية أسرارها» (8) موجز نيوز

«كوبيش» و«جابشيك» تشيكوسلوفاكيان اغتالا الجلاد الأشقر فدفع الآلاف الثمن.. «للحرب العالمية أسرارها» (8)

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كانت الساعة 10:30 صباح 27 مايو 1942، عندما أطلق القائد الألمانى، يوهانس هانز كلاين، مرافق حامى الرايخ الثالث، رينهارد هايدريتش، آلة تنبيه سيارته المرسيدس المكشوفة، التى تحمل اللوحة المعدنية SS-3، التى لم يكن يعرف أنها الرحلة الأخيرة بها، ليبدأ هايدريش تنقلاته اليومية من منزله فى بانينسكى بيشانى فى العاصمة التشيكوسلوفاكية المحتلة، إلى مقره الرئيسى فى قلعة براج، تمهيدا لجمع أوراقه لملاقاة الزعيم النازى، أدولف هتلر، فى برلين، قبل أن ينقض عليه شابان يُدعيان جان كوبيش وجوزيف كابشيك، لينهيا قصة رجل أرعب القارة العجوز.

رينهارد هايدريتش، قائد ألمانى، أسس وحدة الأمن الوقائى الألمانى، مع رئيس الاستخبارات، هينريش هيملر، عام 1929، وهو فى سن 25 عاما، وبعدها سيطروا أمنيًا على إقليم بافاريا مع صعود هتلر للحكم، وعُين، بعد ذلك، قائدا للأمن العام للرايخ الثالث (البوليس السرى «الجستابو» والبوليس الجنائى)، حتى وصل إلى رتبة حامى الرايخ الثالث، وصاحب فكرة الحل الأخير للقضاء على اليهود بالحرق، حيث أطلق عليه مهندس الهولوكوست، وسماه التشيكوسلوفاك «جزار براج»، أما الأوروبيون فقد لقبوة بـ«الجلاد الأشقر»، فيما سماه الألمان «الشاب الشرير»، أما دبلوماسيو أوروبا فأطلقو عليه «إله الموت الصغير»، فيما سمته استخبارات ألمانيا «العبقرية الشريرة»، أما رئيس وزراء بريطانيا، ونستون تشرشل، فقد لقبه بـ«الوحشى»، فيما سماه هتلر «الرجل ذو القلب الحديدى»، كل هذه الألقاب وغيرها اجتمعت فى جسد رجل نحيف كان يخشاه كل شخص فى نطاق القارة الأوروبية.

ربما عملية الاغتيال تلك ستكون الأكثر خطورة، نظرًا لأن انتقام الألمان سيكون قاسيا للغاية، وستثير الويلات على أوروبا عقب اغتياله، إلا أن تشرتشل أكد أن هايدريتش يستحق «موتة الكلب»، نظرا لما فعله فى الأوروبيين والمعارضين الألمان، حتى كبار الحزب النازى، لدرجة أن الجميع كان يخشاه، حتى زوجته لينا، قالت: «إنه أكثر شخص قاس ووحشى»، وفق مؤرخين أوروبيين، أطلقوا عليه «صاحب الوجه الشرير».

فى عام 1934، شكك البعض فى أصول أسلاف هايدريتش، بأنهم يهود، ما أزعجه، مثلما أوضح المؤرخ الفرنسى، أندريه بريسو، الذى أكد فى كتابه «الخدمة السرية النازية» أن هايدريتش كانت جدته سارة قد تزوجت من ميكانيكى ألمانى، يدعى جوستاف سوس، وكانت تلك الأسماء يهودية، ما جعل هايدريتش يشعر فى صغره بالارتباك والبؤس، ما اضطره أن يذهب إلى قبر أجداده ويمسح أسماءهم الشبيهة بأسماء اليهود، ولكن بريسو أوضح أنهم كانوا من الروم الكاثوليك، ما جعل هيملر يشكك فى أصول هايدريتش، إلا أن هتلر تدخل بعدما بحث وأكد أن هايدريتش لا صلة له باليهود، وأنه أكثر شخص مفيد للألمان، وهو ما أكده المؤرخ البريطانى، مايكل بيرلاى، حين أوضح أن ذلك الأمر جعل من هايدريتش وحشًا ضد اليهود، منتميًا للحزب العمالى الألمانى، لإثبات انتمائه للنازيين.

بعد سلسلة الاعتقالات والاغتيالات والرعب، التى عاشها معارضو الحزب النازى وأعداء ألمانيا فى الخارج واليهود من قبل هايدريتش، جاء شهر سبتمبر عام 1941، ليحل هايدريتش محل قائد ألمانى، يدعى كونستانتين فون نيورات فى تشيكوسلوفاكيا، أو وقتها «بوهيميا ومورافيا»، بعدما لاحظ هتلر أن سلوك فون نيورات متساهل نسبيا مع التشيك، ما شجع المقاومة المعادية لألمانيا على النشاط، حتى وصل «الجلاد الأشقر» لتعزيز السياسة النازية وتنفيذ الإجراءات المضادة فى مواجهة المقاومة التشيكوسلوفاكية، والحفاظ على حصص الإنتاج من المحركات والأسلحة التشيكية، المهمة للمجهود الحربى الألمانى، خلال دوره كديكتاتور فعلى، من وجهة نظر التشيك، وحامٍ من وجهة نظر الألمان، ما أدى به إلى التجول، دائما، بسيارة ذات سقف مفتوح دليلا على ثقته من رعب المدنيين منه، وفاعلية احتلاله وحكومته فى السيطرة على براج، بسبب كفاءته الوحشية.

وبحلول نهاية عام 1941، سيطرت ألمانيا، تحت حكم هتلر، على قارة أوروبا تقريبًا، وكانت القوات الألمانية تقترب من موسكو، واعتبر الحلفاء أن الاستسلام السوفيتى محتمل، وتعرضت حكومة تشيكوسلوفاكيا، المنفية، فى عهد الرئيس إدوارد بينيس لضغوط من المخابرات البريطانية، ولم تكن هناك مقاومة واضحة، منذ احتلال مناطق سوديتن عام 1938، وقبلت المملكة المتحدة وفرنسا السيطرة على هذه المناطق فى اتفاقية ميونيخ، بعودة المدينة المتاخمة على الحدود مع ألمانيا، التى تقطنها أغلبية ناطقة بالألمانية، إلى الرايخ الثالث، قبل احتلال البلاد بأكملها فى عام 1939.

قبل بداية الحرب العالمية الثانية بعام.

الشابان «كوبيش» و«جابشيك»، تم تسريح الأول من الجيش بعد اتفاقية ميونخ، ليعمل فى مصنع طوب، والآخر كان رقيبا فى الجيش، ومع اندلاع الحرب تم نفيه ذاتيًا، إلى بولندا وانضم إلى فيلق تشيكوسلوفاكى عسكرى، وبعدها انتقل إلى فرنسا، وانضم للفرنسيين وحصل على رتبة رقيب، وبعد سقوط فرنسا ذهب إلى بريطانيا العظمى، وحصل على رتبة «ملازم أول فى الجيش البريطانى»، كما كان يطلق على التشيكوسلوفاكيين المنفيين ذاتيا إلى بريطانيا، حتى لحق به «كوبيش».

لم يكن يعلم الشابان أنهما سينقذان أوروبا ويكونان ضمن أحد أسباب تغيير مجرى الحرب فى أوروبا، بقتلهما أكثر رجل وحشى فى العالم.

ففى أكتوبر 1941، كانت المقاومة نشطة فى كل أنحاء أوروبا، منذ بداية الاحتلال النازى، مثل بولندا ويوغوسلافيا واليونان، لكن تشيكوسلوفاكيا كانت مقهورة وظلت هادئة نسبيًا وأنتجت كميات كبيرة من العتاد لألمانيا النازية بالسخرة.

وشعرت المنفية بأن عليها أن تفعل شيئًا من شأنه أن يلهم التشيكوسلوفاكيين ويظهر للعالم أن لديهم شرفا للدفاع عن موطنهم، وشعرت بأن إجراء دراماتيكيا بعرض مساهمة تشيكية فى قضية الحلفاء سيجعل من الصعب سياسيًا على البريطانيين صياغة أى اتفاقية سلام محتملة مع ألمانيا من شأنها تقويض المصالح الوطنية التشيكية، مثلما فعل الحلفاء فى اتفاقية ميونخ 1938.

واقترح رئيس استخبارات تشيكوسلوفاكيا، فرانشيك مورافيتش، بمعرفة وموافقة رئيس بلاده فى المنفى، إدوارد بينيس، أن يتم تدريب ضباطهم فى المنفى، بموافقة رئيس استخبارات بريطانيا، كولن جوبينز، فى اسكتلندا، لقتل هايدريتش، لسمعته الجبارة فى ترويع الأوروبيين، فى عملية سُميت «أنثروبيد»، أى «شبيه الإنسان» باللغة الإغريقية، (مصطلح يُستخدم فى علم الحيوان)، وكان الهدف أن يُثبتوا للحلفاء والنازيين أنهم متواجدون، وتم اختيار من سيقتلونه، لتنفيذ العملية فى 28 أكتوبر، يوم استقلال تشيكوسلوفاكيا عن الإمبراطورية «النمساوية- المجرية»، بعد الحرب العالمية الأولى، وتم اختيار التشيكى كاريل سفوبودا، والسلوفاكى، جوزيف جابشيك، إلا أن إصابة الأول أرجأت العملية، وتم استبداله بالتشيكى جان كوبيش، وكان يحتاج تدريبا طويلا، مع 5 آخرين، وهم: «التشيكيون أدولف أوبالكا، جوزيف فالشيك، جان هروبى، جوزيف بوبليك، ياروسلاف شفارت»، ورغم أن هؤلاء الرجال الخمسة لم يحمل أى منهم سلاحا بشكل مباشر ضد هايدريتش، إلا أنهم اضطلعوا بدور رئيسى فى عملية الاغتيال لا يقل بطولة جنبًا إلى جنب مع «كوبيش» و«جابشيك»، منفذى الاغتيال، وتلقوا تدريبات صارمة على إلقاء القنابل اليدوية وإطلاق أسلحة القفز بالمظلات والإبحار فى التضاريس الجبلية، واستخدام رموز مورس (شفرة حرفية لإرسال المعلومات التلغرافية)، وتم تزويدهم بوثائق مزيفة، مطابقة لتلك التى تصدرها قيادة هايدريتش للمدنيين فى جميع أنحاء براج.

كان الخوف يتملك الجميع، لما ينوون الإقدام عليه، فى الوقت الذى أكد فيه المؤرخ البريطانى، جايلز ميلتون، فى كتابه «حكومة تشرشل للحرب غير النبيلة»، أن تشرشل كان يزور التدريبات، وطلب أن يموت هايدريتش مثل «موتة الكلب»، جزاءً لدمويته، وكان لابد من اختراع قنبلة تخترق سيارته المرسيدس، تكون خفيفة بما يكفى ليقذفها رجل واحد، باستخدام مادة النتروجليسرين الكيميائية، بوضعها داخل القنبلة. وأشرف على التدريب رئيس القسم التشيكى ألفجار هيسكيث- بريتشارد، الذى لجأ إلى سيسيل كلارك لتطوير السلاح كيميائيا، مثلما طلب تشرشل.

تحرك البطلان التشيكوسلوفاكيان من بريطانيا، يوم 28 ديسمبر 1941، وكان قد سبقهما الـ5 الآخرون فى مجموعتين، هما Silver A وSilver B، وكانت لهما مهمات مختلفة، وتقرر نقلهما عن طريق سلاح الجو الملكى البريطانى، بواسطة طائرة هاليفاكس مارك، وكادت العملية تفشل قبل أن تبدأ، وكان من المخطط الهبوط بالقرب من منطقة بيلسن، شمال غرب العاصمة، لكن طاقم الطائرة واجه مشاكل فى الملاحة، بعد تصدى دفاعات الألمان المضادة للطيران، فسقط الجميع بالمظلات فى أماكن مختلفة، ثم تواصلوا مع بعضهم فى براج، وخططوا للهجوم.

كان جابشيك وكوبيش مختلفين تمامًا، وشكلا ثنائيًا متكاملًا، لأن جابشيك كان قوى البنية ومنضبطا وشجاعا، أما كوبيش فكان أكثر ذكاءً وهدوءًا، وفق صحيفة «إكسبريس» التشيكية.

وفى براج، اتصلوا بالعائلات، ومجموعة جيندرا المقاومة، ما ساعدهم خلال الاستعداد للهجوم، وكان لاديشلاف فانيك، الذى يدير المقاومة حذرًا للغاية، لكن جابشيك وكوبيش تمكنا من إقناعه بأنهما عميلان سريان تابعان لبريطانيا، وفق المؤرخ البريطانى، آلان بروجريس، وتم وضعهما فى رعاية جان زيلينكا، باسم مزيف «العم هاجسكى»، الذى كان جيدًا فى توفير منازل آمنة للعملاء السريين.

خطة العثور على موقع الاغتيال

وتقرر نقل كوبيش وجابشيك إلى شقة آمنة، الى منزل رئيس الاستخبارات، موارفيش، تحت رعاية عائلته، وهناك أنشأ المظليون مركز الاتصال الخاص بهم، وخلال الأشهر الـ5 التالية عملوا على خطتهم، وكان التحدى هو العثور على الموقع المناسب للاغتيال.

وعند معرفة طبيعة المهمة، توسل قادة المقاومة إلى التشيكوسلوفاكية فى المنفى لإلغاء الهجوم، وفق المؤرخ التشيكى، جيرى بافييت، الذى أوضح أن أحد قادة المقاومة توسل إلى قائلا: «محاولة ضد هايدريتش لن تفيد الحلفاء، وعواقبها على شعبنا ستكون قاسية وموجعة أكثر مما تتخيلون»، إلا أن ردت وأصرت على الهجوم، وأوضح بادفييت فى كتابه: «الاتصال بالأنثروبيد»، أن الجميع يتحدثون عن العملية بلفظ «اغتيال»، إلا أنه فى الصحيح لابد أن يكون اللفظ «هجوم»، لأن عملية الاغتيال ترمز إلى إزاحة شخص يعطل مصالح آخرين، لكن كلمة «هجوم» تؤكد أن التشيكيين مقاومون ولهم حق الدفاع عن أنفسهم.

ووفق المؤرخ الأمريكى التشيكى، فويتش ماستنى، فإن فى شخص بينيس، الذى نفى علمه بالعملية، بعد الاغتيال كانت خائفة للغاية إلا أن البريطانيين شجعوا على القيام بها، لإضفاء الشرعية على التشيكيين، فبثوا رسالة للمقاومة وأصروا على الهجوم.

وفى يوم 27 مايو عام 1942، كان هايدريتش قد خطط للقاء زعيمه هتلر فى برلين، وتشير الوثائق الألمانية إلى أن هتلر كان ينوى نقله إلى فرنسا، وكانت تحتلها ألمانيا، وكانت المقاومة الفرنسية نشطة، ويعتقد أن هايدريتش كان من المقرر أن ينتقل إلى شمال فرنسا وبلجيكا المحتلة، بقصد تنفيذ سياسات دموية مماثلة.

ونقل أحد أفراد المقاومة التشيكية، فرانتيسك شفاريك، الذى عمل فى القصر، معلومات مهمة حول تحركات هايدريتش إلى فتاتين، آنا مالينوفا، وماريا كوفارنيكوفا، اللتين عاشتا فى شقة قريبة من قصر براج.

وتقرر تسليم هذه المعلومات إلى «العم هاجسكى»، وكان على اتصال بالمظليين، وفى 23 مايو 1942 وردت لهم أهم معلومة، من صانع الساعات، جوزيف نوفوتنى، الذى رأى جدول هايدريتش على مكتبه، يظهر تحركاته فى 27 مايو، وقرروا اختيار هذا اليوم موعدا نهائيا، وعند مرور سيارة هايدريتش من مدينة براج إلى مدينة دريزدن الألمانية، كان هناك تقاطع لطريق مؤدٍ إلى ألمانيا، يمر بجانبه «تروماى»، ونصب الرجلان كمينًا لقتله، وفق صحيفة «لوديفكى» التشيكية.

وخططا لقتله وهما يستقلان «التروماى»، فيما وضعا خطة أخرى بقطع الطريق بالخشب، إلا أنهما اتفقا أن يرتديا ملابس مدنية، وأن يخفى «جابشيك» رشاش «ستين» تحت معطفه، فيما يمسك «كوبيش» القنبلة اليدوية، ومع اقتراب عقارب ساعة الحسم، ومع دقات القلب المتزايدة خوفا، من مقابلة الرجل الأخطر على الإطلاق، راقب «فالشيك»، المكان، وعند إبطاء سيارة هايدريتش سرعتها لدى مرورها من المنعطف، أرسل «فالشيك» الإشارة المتفق عليها، وهى انعكاس ضوء الشمس بمرآة صغيرة، وظهر «جابشيك» أمام السيارة المكشوفة، وأظهر سلاحه، لكنه تعطل، وفق المؤرخ الاسكتلندى، كالوم ماكدونالد، الذى أوضح فى كتابه: «مقتل رينهارد هايدريتش»، أن التشيكيين يشكون من انخفاض كفاءة أسلحتهم البريطانية.

وأشار إلى أن «جابشيك» حاول إطلاق النار إلا أنه فشل بسبب تعثر سلاحه، ووقف مشلولا أمام هايدريتش، فيما أوضح المؤرخ الألمانى، وولفجانج ميشيل، أن هايدريتش ارتكب خطأ فادحا، بدلا من أن يأمر السائق بالإسراع، أمره بالتوقف وهو يصرخ غاضبا، ووجه مسدسه نحو «جابشيك»، إلا أن «كوبيش» باغته من الخلف وألقى بالقنبلة، وكان مذعورا، وبدلا من إلقائها داخل السيارة ألقاها بجانبها، وانفجرت ودخلت شظاياها فى جسد هايدريتش وأصابته بجروح خطيرة، وأصيب كوبيش بجروح طفيفة فى العين والوجه.

الهروب الكبير

وأوضح المؤرخ الأمريكى، ماكس ويليامس، أن هايدريتش رغم إصابته إلا أن كبرياءه رفض أن يستسلم للإصابة، فأمر سائقه كلاين، بالركض نحو «كوبيش»، الذى ركب دراجته وهرب، وعند عودة كلاين لإنقاذ قائده أشار له إلى «جابشيك» وقال له: «اعتقل هذا اللقيط»، وأسرع كلاين نحوه، ولكن «جابشيك»، لسوء حظه، اختبأ فى محل جزارة لشخص يدعى براوير، كان يحب النازيين، ويعمل أخوه مع «الجستابو»، فأبلغ كلاين، وظل الاثنان يتبادلان إطلاق النار حتى أصيب كلاين فى ساقه.

وهرب «جابشيك»، واختبأ فى منزل آمن، وفق المؤرخ التشيكى، ميخال بوريان، الذى أوضح فى كتابه «اغتيال هايدريتش»، أن «جابشيك» و«كوبيش» لم يعلما أن هايدريتش أصيب واعتقدا أن الهجوم قد فشل.

ووفق المؤرخ البريطانى وأحد طيارى سلاح الجو الملكى، إبان الحرب، آلان بروجريس، صاحب كتاب «7 رجال عند الفجر»، أن «كوبيش، جابشيك، فالشيك» شقوا طريقهم صوب مخبأ فى قبو كاتدرائية القديسين سيريل وميثوديوس، بترتيب من قبل المقاومة التشيكية، بالتعاون مع الأسقف جوراسد، قس هذه الكاتدرائية، أرثوذكسية المذهب، وظلوا مختبئين.

أما هايدريتش فقد كان ينزف بغزارة من الجزء الأيسر من جسده، وجاءت امرأة تشيكية فى موقع الحادث، مصادفة، لمساعدته ووُضع فى شاحنة نقلته إلى مستشفى ودخل إلى غرفة الطوارئ، وكانت إصابته خطيرة فى جنبه الأيسر مع وجود أضرار كبيرة فى الحجاب الحاجز والطحال والرئة وكسر فى أحد ضلوعه، وفتح أحد الأطباء صدره، بينما حاول طبيب آخر إزالة الشظايا من جسمه، دون جدوى، وأجريت لهايدريتش عمليات نقل دم وتقرر استئصال طحاله، وحاول الدكتور والتر ديك، رئيس الجراحة الألمانية، إزالة شظايا، وأجرى البروفيسور الألمانى عمليات جراحية لهيدريتش، بمساعدة أطباء ألمان وتشيك، أعادوا نفخ الرئة اليسرى المنهارة، وأزالوا طرفا من الضلع 11، المكسور، وقرروا خياطة الحجاب الحاجز، الممزق، وأرسل رئيس الاستخبارات الألمانية، هيملر، طبيبه الشخصى، كارل جيبهارت، وأجرى له عمليات جديدة، ما بين 27 مايو حتى 2 يونيو.

وحتى يومنا هذا، كان هناك غموض حول وفاة هايدريتش داخل المستشفى، وهناك روايات متناقضة بشأن ما إذا كان عقار السلفانيلاميد، مضاد للبكتيريا، قد تم إعطاؤه له بدلا من المورفين من عدمه، وشهد جيبهارت فى محاكمته بجرائم الحرب عام 1947، وأنه لم يقدم العقار، بعدما اقترح تيودور موريل، طبيب هتلر، استخدامه، إلا أن جيبهاردت اعتقد أن هايدريتش تعافى، يوم 2 يونيو.

وكان للطبيبين البريطانيين، راى ديفالك وأموس جى رايت، أستاذى علم التخدير فى جامعة برمنجهام البريطانية، فى كتابهما «الموت المحير لهايدريتش»، نُشر عام 2009، رأى آخر، ورفض هايدريتش الاستسلام لمصيره، وترك كرسيا متحركا داخل المستشفى ومشى على قدميه لإجراء الأشعة، وكانت الإصابة صعبة للغاية، ورفض الحديث للأطباء، وهمس أحدهم فى أذنه قلقا، قائلا: «أنت لست بخير، اترك لى المسؤولية».

وأوضحا أن هناك شكا فى تسميم القنبلة، مثلما طلب تشرشل قبل تنفيذ العملية، ما جعل عالم الأحياء البريطانى اللامع، بول فيلدز، الذى قاد أبحاث الحرب البكتريولوجية البريطانية خلال الحرب العالمية الثانية، يفتخر بأنه اكتشف مادة البوتولينوم السامة x، عام 1941، ولم ينشر أعماله فى الحرب، ورغم أنه كان عالما ذا نزاهة فى أبحاثه، إلا أنه خارج المعمل كان يتفاخر بوضعه السم فى القنبلة، ما أدى إلى إصابة هايدريتش بجروح قاتلة.

ومع ذلك، فإن ادعاء فيلدز مشكوك فيه للغاية، لأن هايدريتش ظل 8 أيام على قيد الحياة بعد الهجوم عليه، ولم تظهر عليه أعراض الشلل أو التسمم الغذائى، فضلا عن أن الخد الأيسر لـ«كوبيش» كان مليئا بالشظايا ولم يصب بشلل، لمدة 22 يوما قبل القتال المنتظر، فيما كانت هناك شابة تشيكية تدعى ماريا سوخمانوفا، أصيبت فى الساق، عاشت سنوات كثيرة، ما الذى يجعل عالم أحياء ذا قيمة، بدون خبرة عسكرية، يقول إن القنبلة تم لصقها وهو لا يعلم أن «تكسينات البونولينوم الهشة» لا يمكن أن تظل سليمة فى رحلة لمدة 4 ساعات ونصف على ارتفاع 10 آلاف قدم، فضلا عن 5 أشهر من شتاء أوروبا، منذ ديسمبر 1941 لحظة وصولهم حتى مايو 1942 لحظة التنفيذ، ما يجعل روايته غير قابلة للتصديق.

وأوضحوا أن الدكتور الألمانى، بيلى هامبرل، أكد أن هايدريتش كان جيدا للغاية حتى زاره هيملر؛ ثم انتكس يوم 3 يونيو، واستسلم لمصيره وودع حياة متخمة بالدموية، يوم 4 يونيو، بتعفن وتصلب الدم، وتوقف مفاجئ للقلب، ونقص تروية الدماغ بالدم، بعد انسداد رئوى. وتظل تكهنات موته لشخص لم يعان من كسور بعد العمليات، إلى انسداد فى أعضاء جسمه.

وتدهورت حالته وتوفى يوم 4 يونيو عام 1942، عن 38 عاما، وشيعت جنازته فى براج 7 يونيو، عام 1942، وتقرر نقل جثمانه إلى برلين بالقطار، حيث أقيم حفل تأبين له فى مستشارية الرايخ الجديدة يوم 9 يونيو عام 1942م، وتم منحه أعلى درجة من الرتب الألمانية ووسام الدم وشارة الجراح من الذهب وصليب استحقاق الحرب من الدرجة الأولى، وأراد هتلر أن يكون لهايدريش قبر تذكارى ونظرا لهزيمة ألمانيا، لم يتم بناء القبر، ورغم أن وفاة هايدريش تم استغلالها للدعاية للرايخ الثالث؛ فقد ألقى هتلر باللوم على هايدريش واعتبره مسؤولا عن هلاكه نتيجة إهمال تأمين تحركاته، وسوء تصرفه عند تعرضه لمحاولة الاغتيال ومواجهته مهاجميه، مع أن الفرصة كانت متاحة أمامه لينجو بنفسه؛ لو طلب من سائقه الإسراع بالسيارة بعيدًا عن موقع الحادث، بعد فشل جبتشيك فى إصابته نتيجة العطل الذى أصاب مدفعه الرشاش، بدلا من التوقف ومواجهته.

كان اغتيال هايدريش فى براج، نقطة محورية، خلال الحرب العالمية الثانية، وأسفر عن مذبحة لقرى بأكملها، انتقامًا لموته، إضافة إلى موجة من الأعمال الانتقامية، من قبل القوات الخاصة الألمانية اس اس، بما فى ذلك تدمير القرى والقتل الجماعى للمدنيين؛ خاصة أن الاغتيال أدى إلى تغيير مجرى التاريخ؛ فقد دفع الحلفاء إلى إلغاء معاهدة ميونيخ، وتأكيد ضرورة استعادة تشيكوسلوفاكيا، بعد هزيمة ألمانيا منطقة السوديت، (إقليم تشيكوسلوفاكى محاذٍ للحدود الألمانية الشرقية)، الذى ضمه هتلر إلى ألمانيا بموجب الاتفاقية الموقعة يوم 30 سبتمبر عام 1938، بعد مؤتمر مدينة ميونيخ الألمانية، بين ألمانيا النازية وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وكان الاتفاق بمثابة تسوية تسمح بضم ألمانيا النازية منطقة السوديت، التابعة لتشيكوسلوفاكيا، التى يعيش فيها مواطنون ناطقون باللغة الألمانية، فى محاولة لاحتواء ألمانيا النازية، لتجنب اندلاع حرب عالمية أخرى، مع إزاحة السوفييت والتشيكوسلافاك من المعاهدة، لتجنب تعطيل الاتفاقية لعدم استفزاز هتلر.

وأشعل اغتيال راينهارد هايدريش شرارة أعمال انتقامية داخل تشيكوسلوفاكيا المحتلة، شملت تدمير قريتى ليجيتسه ولجاكى وإعدام جميع الذكور البالغين، أما النساء والأطفال فقد تم نقلهم والتحفظ عليهم فى معسكرات الاعتقال الألمانية، ما عزز روح التعاطف مع القضية التشيكية عالميًّا، إلى حد أن آلاف الأشخاص أطلقوا اسم ليجيتسه على فتياتهم المولودات حديثًا، للتضامن، يقينًا بأن الذين سفكت دماؤهم لن يسقطوا فى طى النسيان.

ووفق آلان بروجريس، تمكن جان كوبيش من الوصول إلى منزل نوفاك، الآمن، وترك الدراجة خارج محل أحذية باتا القريب، وأرسلت نوفاك ابنتها الصغيرة جيندريسكا لإحضار الدراجة الملطخة بالدماء، وتم رصدها والتعرف عليها من قبل البوليس السرى (الجستابو).

وفى ذات الصباح صدر بيان من الألمان، بأن أى شخص يعرف شيئًا عن المجرمين ويفشل فى الإبلاغ عنهم سيتم إعدامه وأفراد أسرته، وتم تقديم مكافأة قدرها 10 ملايين كراون تشيكى، (مليون مارك ألمانى)، مقابل تسليم القتلة، وهتلر غاضب، بعدما ظهر حزينًا فى جنازة هايدريتش وانحنى لتحية والده، وبعد الجنازة أمر بقتل 10000 تشيكوسلافاكى، وبعد مشاورات، قلل طلبه إلى بضعة آلاف، وألقى القبض على 13 ألفًا، وتقرر استجوابهم؛ ومنهم آنا مالينوفا، صديقة جان كوبيش.

المطاردة الكبرى

وبعدها بدأت مطاردة ضخمة، وتم تفتيش 36 ألف منزل وتحولت براج إلى محرقة مع عمليات إعدام يومية، وانتحر العديد من أهلها، لتجنب القبض عليهم.

وقال هتلر: «كل المدينة مذنبة»، واختار القرية الصغيرة «ليجسته»، كذبيحة وتقرر نقل النساء والأطفال فى شاحنات لتنتهى حياتهم فى غرف الغاز.

وتم إطلاق النار على الرجال والفتيان فوق سن 16، واشتعلت النيران فى المنازل وقضت المتفجرات على الجدران المتبقية، وحرقت القرية بأكملها؛ فيما تمكنت المقاومة من القضاء على الفوضى والتشتت، وجمعت المظليين لتأمين هروبهم، وكانت الخطة- وفق بروجريس- إخراج المظليين من براج والصعود إلى الجبال، لتأمينهم.

ورتب العم «هاجسكى»، مكانًا مثاليًّا لاختباء المظليين، بمساعدة كاهن كنيسة القديس سيريل وميثوديوس، المختبئين فى سرداب تحت الأرض.

وتحدد موعد نهائى من الجيش الألمانى، لشعب تشيكوسلوفاكيا، لإعطاء معلومات، عن القتلة بحلول 18 يونيو 1942، وإذا لم يتم القبض عليهم، فسيتم إراقة المزيد من الدماء، معتقدين أن هذا التهديد سيكون كافيًا، وكان المدنيون خائفين من زيادة الأعمال الانتقامية، ما زاد صعوبة إخفاء المعلومات لفترة أطول، وشعر المظليون بالأمان فى الكنيسة إلا أنهم تعرضوا لخيانة غير متوقعة من قبل صديقهم «كاريل شوردا»، وكان ضمن فريق أدولف أوبالكا، فى فرقة out distance.

وفى 16 يونيو دخل شوردا مقر «الجستابو»، فى قصر بيتشك وقال: «لدىَّ معلومات متعلقة بالقتلة، وقدم أسماءهم بالكامل؛ لكنه لم يعلم أين يختبئون».

وأشار إلى حقيبة تخص جابشيك، وأبلغ عن الذين ساعدوه بطريقة ما؛ ومنهم العم «هاجسكى»، وعائلتا سفاتو ومورافيش.

وفى الفجر بدأت الماسأة، بدأ الجميع فى الانتحار، يوم 17 يونيو، واستيقظت ماريا مورافيش على رنين جرس الباب، وفق ما ورد فى «كتاب 7 رجال عند الفجر»، وفوجئت بسؤال «أين المظليون؟»، وصرخ، فى وجهها، فليشر، أحد أكثر رؤساء الجستابو وحشية فى براج.

وأُجبرت مارى مورافيش وزوجها ألويس وابنهما فلاستيميل «آتا»، البالغ من العمر 12 عامًا، على الوقوف فى مواجهة الحائط، بينما كان الجستابو يفتش الغرف، واستسمحت مارى المفتش بالذهاب إلى الحمام وكانت مستعدة لهذه اللحظة، وعرفت ماذا تفعل، ألا وهو الانتحار، وأخذت حبة سامة، كانت مخبأة فى سلسلة حول عنقها.

وكان فليشر غاضبًا، بموت ماريا، وأخذوا زوجها وآتا إلى قصر بيتشك، وفى نفس الشارع، فى وقت مبكر من الصباح، توقف الجستابو عند منزل على الجانب الآخر من الشارع، وضرب فليشر جرس الباب، وعندما فتحت سيدة الباب، رأى فليشر رجلاً يجرى فى الصالة إلى الحمام؛ وكان هذا الرجل هو جان زيلينكا «العم هاجسكى».

وكان الألمان على وشك كسر باب الحمام، وعند فتحه خرج زيلينكا بابتسامة على وجهه، واتخذ 3 خطوات للأمام، وعندما بدأ فليشر فى القبض عليه، تصلب زيلينكا وسقط على الأرض، لقد سمم نفسه.

وفى قصر بيتشك، بدأ استجواب وحشى مع «آتا»، وأصيب بذهول تام جراء تناوله، غصبًا، خمر البراندى، فضلا عن تعرضه للضرب بوحشية، وووجه بشرودا، وقيل لـ«آتا» إن شرودا كشف كل شىء.

وأبدى آتا مقاومة شديدة؛ لكن التعذيب كان أكثر مما يستطيع تحمله، وانهار أخيرًا، عندما أظهر له فليشر رأس والدته فى حوض للأسماك، وهدده بأن والده سيكون التالى، وأخبر آتا الجستابو بما يعرفه عن الكنيسة وهو يبكى.

وفى 18 يونيو 1942، حاصرت قوة من الأمن الخاص، بقيادة رئيس الجستابو هاينز بانويتز، الكنيسة، وعند الفجر، كان الآخرون نائمين فى القبو، كان أوبالكا وكوبيش وهروبى يصعدون على شرفة الكنيسة عندما سمعوا صوت العربات والضوضاء القادمة من الشوارع.

ووفق آلان بروجريس، عندما دخل كارل فون تريونفيلد وقواته الكنيسة، قوبلوا بأمطار من الرصاص قادمة من أعلى، وكان كوبيش وأوبالكا وهروبى، يتمتعون بموقع ممتاز من شرفة الكنيسة؛ لكنهم يعرفون أنها مجرد مسألة وقت ولا يمكن أن يكون هناك سبيل للهرب، وكان الألمان مسلحين بالرشاشات والقنابل اليدوية.

وقال المؤرخ التشيكى جيرى باديفيت: «لقد تناوب الأبطال على القيام بدوريات فى الكنيسة، وكان هناك 3 فى الشرفة، وكان هناك 4 يستريحون أسفل القبو، موضحا أن الجو كان باردا ومظلما، ولم يكن لديهم سوى عدد قليل من الشموع والكيروسين، وفق ما أشار فى قناة infoczechia، التشيكية.

واستمرت المعركة الأولى ساعتين، ومرة تلو الأخرى تسبب أوبالكا وكوبيش وهروبى فى انسحاب قوات الأمن الخاصة، وفى القبو أدناه، كان يعرف رفاقهم الأربعة أن أصدقاءهم فى الشرفة كانوا يقاتلون من أجل حياتهم.

وبدأت الانتحارات، من قبل الأبطال، وانتحر هروبى بعد إصابته بجروح بالغة وحطمت قنبلة يدوية ساقيه فأطلق النار على نفسه حتى لا يقبض عليه الألمان حيًّا.

وفجأة ساد الصمت، وعندما دخل الألمان الكنيسة وجدوا الجنود التشيكوسلوفاك الثلاثة غارقين فى دمائهم، ورأوا أدولف أوبالكا، مصابًا بجروح قاتلة، وقد ابتلع سمًّا، وأطلق النار على نفسه، وأصيب جان كوبيش بقنبلة يدوية وحاول استخدام حبوب سامة، وفقد وعيه قبل أن يتمكن من فعل ذلك، ونُقل إلى المستشفى، ومات فور وصوله.

وبعدها حاول الألمان أسر الجنود الـ4 المتبقين أحياء، وتبين أن المهمة مستحيلة، وتم إحضار شرودا للتعرف على الجثث، وفى الوقت الذى يختبئ فيه الجنود، تم استجواب القس فلاديمير بيتريك، وفى محاولة لإنقاذ حياته اعترف بوجود 4 رجال مختبئين فى القبو، وطالب بانويتز بخريطة الكنيسة، وتعرفوا على المدخل الخفى للقبو، عقب رفع باب المصيدة الصغير المؤدى إلى القبو، واندلعت فجأة النيران من القبو.

وكان لدى المظليين فى الكنيسة 11 بندقية، وقنبلتان وبضع زجاجات حارقة، وفق المؤرخ التشيكى، فويتش زوستيك.

ولم يكن يعلم الجميع كيف وصل الألمان إلى الكنيسة، إلا أنهم شعروا بأن هناك خيانة ما، وقتها أحضر الألمان شرودا ليخبر أصدقاءه السابقين بالتوقف عن إطلاق النار والاستسلام، والآن عرف الأبطال الوطنيون التشيكوسلوفاك من خانهم.

حتى الشاب «آتا» أُمر بمناشدة أصدقائه فى القبو، ورفض مساعدة الألمان، وردوا على الألمان بالنار، وهم يهتفون: «نحن التشيكوسلافاك لن نستسلم أبدا»، وظلوا يرددونها حتى وداعهم الدنيا، ولم يجد الجستابو حلًّا سوى إرسال فرقة الإطفاء المحلية، وأمروهم بإغراق القبو، وانتحر الـ4، وتم تسمية الكنيسة بـ«المظليين» نسبة إليهم.

وقال المؤرخ التشيكى، ماريك ميلشا، إن الجستابو أرسل جنديا ليتأكد من قتل الجنود وخرج لهم قائلا: «انتهت معركة القبو، بعد 6 ساعات» فى عملية خسر فيها الألمان 14 جنديا وأصيب 21 آخرون.

وأوضح ميلشا، فى تصريحات خاصة لـ«المصرى اليوم»، أن أحد قادة الفرقة الخاصة الألمانية، يدعى فرانك، استشاط غضبًا لأنه لم يستطع القبض عليهم أحياء، ووزع الساندويشات والشمبانيا على أجساد المظليين، ولم ينتظروا المصور ليوثق المشاهد والأدلة ولم يوثقوا سوى جزء بسيط بعد العملية.

ولم يكتف الألمان بذلك، بل قرروا إعدام الطفل آتا، ووالده وصديقة الطفلة ووالدتها وشقيقتها، وتم إعدام الأسقف وكهنة الكنيسة وكبار القادة العلمانيين فى ميدان كوبيلسى.

وبعدها قتل 24 فردًا من عائلة كوبيش، وقتل 252 من أقارب ومساعدى المظليين والأطباء والممرضين، الذين عالجوهم حتى أحبائهم وأسرهم وأطفالهم، وأوضح بورورجيس أن البعض سمع النساء يقلن: «نحن نفخر بالموت من أجل بلدنا»، وتم خنق الأطفال والنساء فى غرف الغاز فى معتقل «ماتهاوزن».

وانتحر العم هاجسكى ونجله وهما فى حضن بعضهما البعض، قبل القبض عليهما، وحاولت الفتاتان آنا وماريا أن تقولا إنهما كانتا عاشقتين لمنفذى العملية، وليس لهما علاقة بها، إلا أنهما تقرر إعدامهما، دون الكشف عن الشخص الذى مرر المعلومات لهما، وهو شفاريك، الذى توفى عام 1970 وفق بروجريس، حتى الطبيب الذى عالج «كوبيش» بعد الاغتيال والممرضات تم إعدامهم.

ووفق المؤرخين الأمريكيين، جوناثان وورنر شيلينج، فقد أوضحا أنه من المحتمل أن التشيكوسلوفاكية، فى المنفى، لم تتنبأ باحتمال تطبيق الألمان مبدأ المسؤولية الجماعية على النطاق الذى فعلوه فى الانتقام لاغتيال هايدريش، موضحين أن تشرشل كان غاضبًا بدرجة كافية، بسبب حجم الأعمال الانتقامية الألمانية ضد المدنيين التشيكيين، واقترح أن مقابل كل قرية تشيكية مدمرة، سيكون هناك 3 قرى ألمانية مدمرة، وتم وضع خطة اغتيال مماثلة، ضد هتلر، ولم تنفذ.

وقال تشرشل: «اتفاقية ميونيخ ملغاة وباطلة، ولم نكن نعلم أن الألمان سينتقمون بهذا الشكل، ويسرعون فى إبادة اليهود والمعارضين؛ فلماذا لم يستبدلوا هايدريتش بأى قائد آخر، حتى لا نرى سقوط آلاف القتلى مقابل هايدرتش، الذى هو فى النهاية شخص واحد فقط».

ووفق المؤرخ البريطانى، جايلز ميلتون، فإن الرئيس الأمريكى، فرانلكين روزفلت، سأل تشرشل بعد العملية، عما إذا كان للبريطانيين دور فى اغتيال هيدريش، إلا أن تشرشل «غمز له ببساطة وابتسم وصمت»، موضحا أن هناك أسرارا حساسة للغاية حول العملية لا يمكن الكشف عنها، حتى للرئيس الأمريكى.

وبعد الحرب، تم تعقب شرودا واعتقاله، لمعرفة كيف يمكنه أن يخون رفاقه وأجاب للمحققين: «أعتقد أنك كنت ستفعل الشىء نفسه مقابل مليون مارك»، وتقرر شنقه عام 1947.

وقدم المؤرخ التشيكى، جيرى بلاتشو، رواية مختلفة عن شخصية شرودا ودوافعه، موضحا أنه كان تحت ضغط هائل وخائف على أسرته من قضاء النازيين عليهم فى «ليشاكى»، لذلك أوشى على أصدقائه.

ولم يسلم الألمان جثث المظليين الـ7، وقطعت رؤوسهم، وتم دفن كوبيش سرا فى مقبرة «الشيطان»، فى براج، ولم يكن أحد يعرف، وبالصدفة تم دفن الخائن شرودا فى نفس المقبرة، فلم تكن الحياة الآخرة للأبطال الوطنيين وردية على الإطلاق، بعد تشريح الجثة، قطع النازيون رؤوس جابتشيك وكوبيش والمظليين الـ5، وتم تحطيم جماجم الآخرين، وأظهر الألمان رؤوسهم للمحققين، خاصة النساء المتهمات بمساعدة المظليين، وزعم آلان بروجريس أن الأطباء الألمان دمروا الرؤوس، خلال انتفاضة براج بعد العملية، ولم يرها أحد، وهكذا لا يزال من الممكن اكتشاف بقايا أبطال الحرب الأعظم فى مكان ما.

ومنذ ثمانينيات القرن الماضى، حتى عام 2016، بدأ التشيك والسولفاك يبحثون عن جثث أبطالهم، وفى عام 1990، تم وضع مقابر رمزية لهم، وتم التنقيب عن المقابر، عام 2009، بعد تحديد الموقع من قبل المؤلف التشيكى، ياروسلاف شفانكارا، المفتون بقصة الأنثروبويد، منذ الطفولة.

وبدأ السفر، عبر البلاد، متتبعًا أقارب المظليين، واستعار ذكرياتهم وصورهم، وأصبح صديقًا لضابط شرطة تشيكوسلوفاكى سابق، تم تعيينه فى معهد براج للطب الشرعى، أثناء الحرب، وكان هذا هو المكان الذى تم فيه إحضار «كوبيش» و«جابشيك» والخمسة الآخرين لتشريح الجثث، وكان الشرطى على علاقة جيدة بعلماء الأمراض التشيك العاملين فى المعهد، الذى كان مقسمًا إلى قسمين تشيك وألمان.

وقال شفانكارا- وفق بى بى سى- عام 2016: «ذات ليلة، كان علماء الأمراض الألمان يحتفلون بشىء أو آخر، وتسلل هذا الشرطى مع 2 من زملائه إلى غرفة التشريح الرئيسية، حيث علموا أن جماجم المظليين محفوظة، والتقطوا صورًا للجماجم، وهى الوحيدة الموجودة الآن، مضيفًا أنه طلب من عالم أنثروبولوجيا مقارنتها بصور الرجال قبل الحرب، للتأكد من تطابقها وكانت هى بالفعل».

وأكد الشرطى له أن الجثث مقطوعة الرأس قد نُقلت إلى مدينة تبليتسه، شمال غرب التشيك، وفى رواية أخرى، شوهدت الجماجم الخمس ورأسان آخران تم تحميلها بواسطة الجستابو فى قطار بضائع فى محطة سميتشوف فى براج فى 20 إبريل 1945، وقت انتحار هتلر، ولم يسبق لهم رؤيتها.

وتجرى الآن حملة لحث السلطات التشيكية على نبش المقابر الجماعية فى تبليتسه، التى تحتوى على رفات نحو 8000 شخص، بينهم أبطال المقاومة فى الحرب العالمية الثانية.

ويقول المؤرخ التشيكى، جيرى لينك: «يمكن إيجاد الجثث من خلال العودة لصور جوية، منذ الحرب فوق المدينة، وقالت نيلا وينكلمان، المديرة الإدارية لمنصة الذاكرة والضمير الأوروبية ومقرها براج، التى تقود الحملة: «نحتاج إلى معاملتهم بشكل أفضل من النفايات. لقد تم إلقاء هؤلاء الأشخاص فى هذه المقبرة كنفايات بشرية».

وأوضحت «بالطبع يتطلب الأمر فتح المقابر لإخراج الهياكل العظمية، ومناقشة موضوعات مؤلمة، ولا يمكننا تجنب ذلك»، وتابعت: «إذا أردنا المضى قدمًا نحو دولة أكثر تطورًا، علينا أن نتعامل بصدق مع الماضى. ونقدم هذه الخدمة لموتانا الأبطال».

وتقرر ترقية البطلين، عام 2002، وكل فترة يتم ترقيتهما، إضافة إلى الأوسمة العسكرية التى نالاها بعد موتهما، فضلا عن تسمية شوارع فى براج باسميهما، ونصب تماثيل ذهبية لهما.

فى عام 2008، كشف الكاتب البريطانى، جون مارتن، عما يجعل تضحياتهما أكثر إثارة للمشاعر، تركها البطلان وراءهما فى بريطانيا، وأوضح فى كتابه «المرآة التى التقطت الشمس»، أن «كوبيش» و«جابتشيك» وقعا فى حب شقيقتين مراهقتين اسكتلنديتين، إرونا، وإدنا إديسون، وتعرفا على بعضهم، قرب مكان تدريبهم على عملية الأنثروبيد حتى توطدت العلاقة.

وأوضحت السيدتان أنهما كانا مهذبين، لكنهما لم يقولا لنا إنهما مكلفان باغتيال رجل أوروبا الوحشى، هايدريتش، موضحتين أنهما قالا لهما، إنهما ذاهبان لمهمة ربما تكون طويلة، فى التشيك، وأكدتا أنهما علما بأن هناك شيئًا خطيرًا سيحدث؛ خاصة أنهما قبل السفر بيوم، كانا يخبئان مسدسات تحت وسادتهما، وأمى وعمتى لم تعتقدا أنهما ذاهبان للموت، لا نعلم لماذا والحرب بعيدة عن اسكتلندا، لكن الآن اتضح للجميع أنهما ذهبا لينفذا أكبر عملية فى تاريخ الجبهة الشرقية فى الحرب العالمية الثانية.

وقالت ديانا، ابنة لورنا، إن الشابين كانا يأملان فى العودة، خاصة أنهما تركا بعض ممتلكاتهما فى المنزل، وعند عودتهما، ستكونان أقرب إلى سن الزواج، لكنهما لم يعودا وتحتفظ الشقيقتان بخواتم فضية قدمها لهما البطلان قبل السفر، موضحة أن «كوبيش» أوصى بإرسال رسالة لهما إذا قُتلا، وقد تم ذلك، ودمرت الفتاتان عاطفيا واستغرقتا سنوات لتتجاوزا الأزمة.

وتقيم التشيك، ذكرى سنوية فى الكنيسة، بإضاءة الشموع، ويطلق التشيكيون على الكنيسة لقب كنيسة المظليين، ويردوون «سبعة رجال بشجاعة أقسموا قسمًا التزموا به، نحن التشيك لن نستسلم أبدًا.. التشيك لا يستسلمون، حتى بعد 75 عامًا، ظلت صرخات المظليين التشيكيين من سرداب الكنيسة، تثير القشعريرة لكل من يزورها ليرى القبو الذى شهد آخر صرخات الأبطال التى خرجت من شفاههم وسمعها العالم».

قبو الكنيسة
ورود على مكان قبو الكنيسة حالياً
تماثيل ذهبية للأبطال داخل قبو الكنيسة
تماثيل ذهبية للأبطال داخل قبو الكنيسة
تماثيل ذهبية للأبطال داخل قبو الكنيسة
قبو الكنيسة
مدخل قبو الكنيسة
الألمان يضخون المياه في قبو الكنيسة ليغرق أبطال تشيكوسلوفاكيا
سلاج جابشيك الذى تركه مكان العمليه
تماثيل جان كوبيش وجوزيف جابشيك
هايدريتش وشقيقاته في الصغر
هايدريتش وقبره
هايدريتش
اللوحة المعدنية لسيارة هايدريتش
هايدريتش في قصر براج
هتلر في جنازة هايدريتش
لينا زوجة هايدريتش وأولاده
هتلر وخلفه هايدريتش وهيملر
لينا مع تمثال زوجها هايدريتش
هايدريتش
ورود مكان الكنيسة حالياً
مجزرة ليجيسته
مجزرة ليجيسته
مجزرة ليجيسته
مجزرة ليجيسته
مجزرة ليجيسته
مجزرة ليجيسته
الألمان يضخون المياه ليغرق الأبطال داخل القبو
تماثيل الأبطال
تماثيل الأبطال
تشرشل يتابع تتدريبات الأبطال في بريطانيا
الأبطال السبعة
جثث أبطال العملية
الفتاتان الإسكتلنديتان إدنا ولورا إليسون
جثث كوبيش وجابشيك
كوبيش وجابشيك
سيارة هايتدريتش بعد العملية
سيارة هايتدريتش في مكان العملية
الخائن كاريل شوردا
تشيكيين يكرمون حتى الآن

الوضع في مصر

اصابات

104,156

تعافي

97,524

وفيات

6,017

جميع الحقوق محفوظة لمصدر الخبر المصري اليوم وتحت مسؤليتة ونرجوا متابعتنا بأستمرار لمعرفة أخر الأخبار علي مدار الساعة مع تحيات موقع موجز نيوز الأخباري

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق فايننشال تايمز: انتقادات أمير سعودي للفلسطينيين تثير تكهنات بقرب التطبيع
التالى #المصري اليوم -#اخبار العالم - الجبهة الديمقراطية: التمييز السلبي ضد غزة لا يخدم وحدة الحال الفلسطيني موجز نيوز